RSS

الأربعاء، 3 فبراير 2010

عيد ميلاده .... ( قصة قصيرة )




( 1 )
- عيد ميلاد بابا النهارده
استقبلتني بجملتها التي تقفز عليها فرحا و هي تشب ياستطاله تكاد تلحق قبضة الباب الذي يتأرجح بها في كسل غير مبال بسنين عمرها المعدودة قبل أن تتدحرج بطفولتها الكاملة تعلن الخبر وصولى بدرجة من الأهمية إليه .
- بابا ... آبيه محمد جه .
- تعال ... أنا هنا .
انجذب نحو مصدر صوته ... رائحة الفرن الطازجة المندفعه فى طريقى تؤكد معلومتها ... أجهز حالتى لتهنئة مرحة ... أتداخل مع بداية الحجرة ... عند اللقطة الأولى اصطدم بأجزاءه المتراخية على الكرسي .... شعره المضطرب ... زجاج نظارته يفصح دون قصد عن سقطة عين مجهدة تباغته ... تخاذل فتحة جلبابه تكشف عن انكماش الجلد أجبرتنى على إيداع جملتى خانة السكون بينما أساير إشارته لى بالجلوس .. اختار كرسيا ينأى بنفسه خارج تكاثف ضبابه دخانية تلتقط طرف حياتها من الأنفاس الأخيرة لبقايا كومة أعقاب مضغوطة صريعة فـي المنـفضة التي خبــت صفتها الكريستالية في تلافيف تل رماد كئيب .
- ليه كل السجاير دى ؟
- بحتفل
لهجته الساخرة تنقلب إلى تضاد واضح مع نبرة زوجتة المتحمسة و هى تستشير جارتها حول مقادير إحدى الوصفات من نافذة المطبخ
- طب ياريت يا ختى تكتبيها ليا في ورقة .. هبعت ليكى البت تاخدها
- الولية طق في دماغها تعمل ليا .." عيد ميلاد " .
- و ماله ... أهو برضه تغيير .
يفرج عن إيماءة موافقة مضطرة مثل التي منحها لـزوجته بعد إلحاح طويل منها وهى تدعم فكرتها بكراسة الوصفات التي جمـعتها من جلستها المستمرة أمام القنوات الفضائية ... أراد أن يتعذر بمصروف الشهر لكنها أيضا حاصرته بحسابات الورقة والقلم
- مش بالذمة كنا دفعنا بالفلوس دى - تمن درس الواد ؟
- ما الواحد برضه لازم من فترة للتانية يفرح نفسه .
- ليه ؟
استغرب رأس السؤال ... لكنى أشرع فى ترتيب أسبابي
- علشان ....
اقتراب زوجته بجسمها الذى يزداد تكعيبا و تدويرا ... يسحب عنى عناء الإجابة ... تطلق ابتسامة عفوية تماثل أخرى تتماسك داخل صورة الزفاف المعلقة خلفه بشعره الفضي ... حتى تنادر الأقارب بإنه زفاف جاء بعد مغادرة القطار .
- آه و النبي قله . ؟ ... يمكن يفكها شوية .
ينظر لها في ضيق ساخر ... يخرجه سريعا مع زفرة مضمومة
- و الله حاسس إنك عمله ده علشان تعكننى عليا ؟
- أنا ... ؟ شاهد يا محمد .
أخاطبه بنظره تدعوه لإصلاح الموقف قبل أن تبتعد و هي تبرطم بأســـماء الأصناف التي جهزتها و اسمه الذي كتبته " بالكريم شانتيه " على التور تة .
- مالك ؟
- عيد الميلاد ده ليه ناسه
- و أنت لأه ليه ؟

اختار معى أن يستعيد أسباب تقلبه اليومى القلق على الفراش بعدما تطوقه سلسلة الفرص الضائعة في حياته ... لم تشفع له خدمة سنين الجيش فقط أصبح بقرار حامل رتبة بسيطة بنصــف معاش بعد أن أخرجوه من الخدمة بحجة " دواعي أمنية " و لم يعرف تحديدا السبب رغم إنه اكتشف لهم أسلحة مستوردة غير صالحة للاستعمال وقت الحرب و انتظرأن يأتى التقدير .
- شايف الشعر الأبيض ده ... ده مات منى على الجبهة و برضه منفعش معاهم .
أهون عليه بكلمات لا تقنعنى أيضا ... يستمر من زاوية مختلفة فى تكرار أحداث بعض مغامرات الظل خاضها حينما خرج ليضيع فى الحياة , لكنه عاد متأخرا ليقيم معها بيتا بنصف حياة .
- بابا هى الحرب الحقيقية بتكون كده ؟
حماس ابنه الصغير و هو يدير حربه الخاصة على حاسوبه يأخذه بقوة نحو حكايات متوازية مع رائحة البارود , .. تذكره لسؤال مفاجئ جعله يترك روايته عن ساق " قائده " المحارب ... معلقة بلا نهاية .
- بيقولوا هيخفضوا المعاشات
- لا ... أكيد إشاعة .. ما ينفعش .
- ياريت ... المعاش أصلا على حاله مش مكفى ... أنا اشتغلت كمان شغلانة تانية علشان تسند بس الحياة أوسع ... و لسه عندى لحم
أحمر .
- بكرة تفرج
- بكرة ده هيكون عندي عيل لازم أقف جنبه ... و بنتين فى إيد خراط البنات ... نفسي لو الزمن يقف علشان أقدر أعمل لهم حاجة ... بس خلاص .
أتوافق معه على أرضية الواقع .. ثم نغرق معا فى لغز يبحث عن شكل الغد .
صوت زوجته يردد للمرة الأخيرة الأصناف التي أعدتها مع جارتها ... تعود إلينا بدحرجتها الطفولية
- يالا يا بابا ... يالا يا أبيه التورته بقت جاهزة .

( 2 )

مكرها أرتضى أن يتوسط الدائرة التي تشكلت حول - التورتة - والتي يدفع منظرها النهائي إلى تعليقات مضحكة قد تثير تبرم زوجته .. يقاوم اتساع مساحة ابتسامة عفوية حتى لا يجرح ساعات تعبها .
- حد يطفى النور .
ظلالهم الممطوطة تفترش فراغات جير الحائط المتساقط ... ترديد أغنيهم بإيقاع متفاوت لايمنع شرود نظرتة فى ضوء الشمعة المهتز .
- يالا يا بابا ... طفى الشمعة .
- طيب ... استنوا شوية
- و النبى يا بابا .. يالا
يتردد ... يفكر في اختلاق عذر ... يتكاثر عليه إلحاحهم المتعجل لقطع التورتة .
- ولاد ( .......... ) دول مستعجلين ليه ... دى سنة راحت .
- بابا ... يالا علشان خاطرى .
ألوانهم الحديثة المتأهبة لاقتناص نصيبهم ... تجبره أن ينفخ بتيار هواء حاد ضوء الشمعة .. و ينفخ
و ينفخ
و ينفخ .

0 التعليقات:

إرسال تعليق